التفكير_اللغة

هل لغتنا الأم تحدّ من طريقة تفكيرنا؟

قام الأمريكي “بنجمان وورف” بدراسة خاصة به، تركّز على اللغة الإنكليزية بشكل أساسي، لكن تتناول بمنظار أوسع جميع لغات العالم وكيفية تأثيرها على طريقة تفكيرنا، وربما تقبّلنا أو تفهّمنا للغات غير لغتنا الأم.

 فكل لغة ترسم في ذهن الشخص صوراً عن الحقيقة، قد تختلف عن حقيقة شعب آخر، مما قد يصعّب سلاسة الفهم أو سهولة تقبّل ما تقدّمه اللغة الأخرى. ومن أبرز الأمثلة التي أعطاها “وورف” عن اللغة الإنكليزية تمحورت حول مفهوم الوقت، والتمييز بين الشيء أو الفعل.

في نهاية المطاف، لم تعتمد نظرية “وورف” في وقتها على حقائق ثابتة وعلى التفكير العام المعترف به، إذ أنه لم يتسلّح بأي دليل يدعم مزاعمه الرائعة. بسبب ذلك، كانت ردّة الفعل على تفكيره شديدة وقاسية لدرجة أنه لعقود عديدة، تمّ تهميش أية محاولات لاستكشاف تأثير اللغة الأم على أفكارنا. ولكن بعد مرور 70 عاماً صار لا بدّ لنا أن نضع الصدمة التي سبّبها “وورف” وراءنا. وخلال السنوات القليلة الماضية، أظهرت أبحاث جديدة أنه عندما نتعلّم لغتنا الأم، نحن نكتسب بالفعل من حيث طريقة التفكير،عادات معيّنة تشكل تجربتنا الخاصة بطرق عميقة ومثيرة للدهشة في كثير من الأحيان.

نحن نعلم الآن أن “وورف” ارتكب أخطاءاً كثيرة. والخطأ الأكثر جدية هو الافتراض بأن لغتنا الأم تّحد عقولنا وتمنعنا من أن نفكّر أفكاراً معيّنة أخرى. وتفسيره لذلك كان أنه في حال غياب كلمة في لغة ما لتفسير مفهوم ما، فهذا المفهوم سيصعب فهمه. مثلاً، إذا لم تملك لغة ما صيغة المستقبل، قد لا يفهم المتحدثين بهذه اللغة أي فكرة تتعلّق بالمستقبل. إذا قلت لصديقك: “أنا آتٍ” بدل من “سوف آتي غداً” سيفهم أنك تتكلّم عن الغد ضمن سياق الحديث حتى لو استخدمت صيغة الحاضر. بالمختصر المفيد، يرى “وورف” أنه إذا حدّد مخزون المصطلحات الجاهزة في لغتك المفاهيم التي أنت قادراً على فهمها، فكيف تتعلم أي شيء جديد؟

بغياب الدليل أن أي لغة تحظّر المتحدثين بها التفكير بأي شيء آخر، يجب علينا أن ننظر باتجاه مختلف تماماً لنكتشف كيف أن لغتنا الأم تؤثر بالفعل على تجربتنا في العالم. منذ حوالى 50 عاماً، أشار عالم اللغات الروماني الشهير “رومان جاكوبسون” إلى أن الاختلافات بين اللغات  تكمن أساساً بالمعنى الذي وجب عليها تقديمه بدلاً من المعنى الذي قد تقدّمه. من هنا، يمكننا كشف القوة الحقيقية وراء لغتنا الأم: إذا كانت اللغات المختلفة تؤثر على عقولنا بطرق مختلفة، فالسبب لا يعود إلى ما تسمحه أو لا تسمحه لنا لغتنا بالتفكير به، بل ما عوّدتنا لغتنا على التفكير به. مثلاً اللغة العربية تميّز بين الذكر والأنثى: جار/ جارة- طبيب/ طبيبة. فلا حاجة للعربي أن يضيف تفسيراً على جملته، في حين أن اللغة الإنكليزية لا تحدّد ذلك دوماً، مما يدفع المتكلمين بتلك اللغة إلى إعطاء المزيد من التفسيرات لتوضيح الصورة.

 وبما أن عادات التعبير هذه تُزرع في عقولنا منذ نعومة أظفارنا، فمن الطبيعي أن تتحوّل إلى عادات للعقل، تتجاوز اللغة نفسها لتؤثر على خبراتنا، وتصوراتنا، وتحاليلنا، مشاعرنا وذكرياتنا وتوجهاتنا في هذا العالم.

فهل على الشركات أن تقلق حول هذا الموضوع أثناء ترجمة مواقعها الالكترونية، أو ربما تترك المهمة لمنصات الترجمة المحترفة التي تتولّى أمر كلّ هذه التفاصيل لتوصل الرسالة الصحيحة في مكانها الصحيح؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>