الترجمة: مفهوم واحد على مدى التاريخ

اصول_شرقية

منذ العصور القديمة شكّلت الترجمة جزءاً من حياة العرب الذين احتكوا في عصر الجاهلية بالشعوب الثلاثة المحيطة بهم، أي الروم في الشمال والفرس في الشرق والأحباش في الجنوب. للقيام بالصلات الاقتصادية والتجارية والأدبية والاجتماعية بين هذه الشعوب، كان لا بدّ من إيجاد نوع من الترجمة ولو بشكلها البدائي.

في العصر الأموي، تمّت ترجمة الدواوين بإشراف خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ومع وصول العصر العباسي الذي شهد الكثير من الفتوحات العربية وتوسّع الدولة العربية نحو الشرق والغرب، وتواصل العرب مباشرة مع الشعوب المجاورة لهم لا سيّما الفرس واليونان، تضاعفت الحاجة إلى الترجمة ممّا دفع العرب إلى ترجمة علوم اليونان، وبعض الأعمال الأدبية الفارسية، فإذا بهم يترجمون عن اليونان علوم الطب والفلك والرياضيات والموسيقى والفلسفة وغيرها من المواضيع المهمّة.

وكان المترجمون أمثال حنين بن أسحق وثابت بن قرة يختارون اللغة العربية والسريانية والعلوم التي يترجمونها. فقد أمضى حنين بن اسحق فترة في اليونان ليدرس اللغة اليونانية، وكان يترجم الجملة الأصلية بجملة تطابقها باللغة العربية، ولا يترجم كل مفردة على حدة، كما ترجم يوحنا بن البطريق وابن الحمصي وغيرهما، مما يجعل طريقة حنين بن أسحق أفضل من غيرها إذ تهدف إلى نقل المعنى ككلّ وليس ترجمة الكلمات وحسب.

وفي الوقت نفسة بدأت الترجمة في العصر العباسي من اللغة العربية إلى مختلف اللغات الأجنبية. فقد أشار المستشرقون إلى دور العرب في الحضارة الأوربية في تلك الفترة، كما أكّد بعض الأدباء الغربيين فضل علوم العرب على الحضارة الأروبية، منهم الأديب الألماني غوته. بعدها، ظهرت في العصر العباسي دراسات نقدية حول الترجمة منها أراء الجاحظ الذي كان يرى أن المترجم الجيّد يجب أن يتمتّع بمستوى فكري وفهم للموضوع لا يقلّ عن المؤلف الذي كتب النصّ الأصلي الذي يترجمه وإلا قد يؤدي ذلك إلى ترجمات غير دقيقة تشوّه المعنى المطلوب في نصّ المؤلف. ويؤكد الجاحظ ضرورة معرفة المترجم معرفة تامة للّغتين المترجم عنها والمترجم إليها.

وعلى الرغم من أن أراء الجاحظ جاءت في القرن التاسع الميلادي إلا أنه يمكن تطبيقها حتى أيامنا هذه. فبعد مرور عشرة قرون عليها، وضع المفكر الروسي بليخانوف (1856-1918) شروطاً للمترجم الجيّد وللترجمة الجيدة تتطابق مع الشروط التي وضعها الجاحظ.

كل ذلك يؤكّد أن أصول الترجمة واحدة مهما كانت العصور. فالمترجم الجيّد يعتنق معنى النصّ ويحوّله إلى نصّ جديد في اللغة المستهدفة. هذا تماماً ما ينقص في الترجمة الآلية وما يؤدي إلى كوارث الترجمة الذي يشهدها عصرنا الحالي. من هنا الحاجة إلى منصات مثل دَك وَك التي تبسّط عملية الترجمة فتسمح لك أن تقوم بإدارة وتعديل ونشر المحتوى المترجَم بفعالية وكفاءة.