أسُكّر- أزيتونة

حكم المسلمون جزءاً كبيراً من شبه جزيرة أيبريا منذ فتحها عام 711م، حتى سقوط غرناطة عام 1492م. وامتدت رقعة حكمهم لتشمل أراضي إسبانيا والبرتغال الحاليتين. كان لهذا الامتداد الإسلامي أثرٌ فعال في مجرى تاريخ إسبانيا، لا سيّما في ما يتعلّق بإسهامات اللغة العربية في تطوير اللغة الإسبانية المعاصرة.

وقد ذكر المستشرقان “أنجلمان” و”دوزي” في كتابهما “معجم المفردات الإسبانية والبرتغالية المشتقة من اللغة العربية” أن الكلمات العربية الموجودة في اللغة الاسبانية، تعادل ربع كلمات اللغة الإسبانية، وأن اللغة البرتغالية تحتوي على حوالى ثلاثة آلاف كلمة عربية.

وظهر تأثير اللغة العربية في اللغة الإسبانية جلياً في المفردات اللغوية. فالمفردات الإسبانية المعاصرة التي تبدأ بالحرف “a” خير مثال على هذا التأثير، وهناك تفسير بسيط لهذه الكمية الهائلة من المفردات التي تبدأ بالحرف “a”.‏ فأداة التعريف “الـ” بقيت في كثير من الكلمات المعاصرة الإسبانية. فهذه الأداة العربية تتغيّر حين ترتبط بكلمة تبدأ بحرف شمسي ساكن، وتنعكس هذه القاعدة في الاستعارات الإسبانية.

 

قصر الحمرة غرناطة

فمفردة “الربض” العربية قد انتقلت إلى الإسبانية لتكون “arrabal” وليس “al rabal”، في حين أن مفردة “المخدة” أصبحت في الإسبانية “almohada” وليس “ammohada”. حتى أن أداة التعريف العربية ساعدت اللغة الإسبانية في اتخاذ أداة للتعريف (في حالة المذكر فقط). وهكذا انتقلت الأداة العربية “الـ” إلى الإسبانية بطريقة غير مباشرة إلى الأداة “el”، وهذا التطوّر في الأداة قد جاء من الأداة اللاتينية “ille” من خلال تقوية الأداة الإسبانية “el”  بواسطة الأداة العربية “الـ”.

من جهة أخرى، لا بدّ من أن نذكر أيضاً تأثير اللغة العربية على مختلف اللغات العالمية. فقبل الفتح الإسلامي، كان التكلّم باللغة العربية يقتصر على سكان الجزيرة العربية وأجزاء من العراق والشام. لكن ما إن امتد الفتح الاسلامي واتسع مداه، حتى حلّت اللغة العربية مكان اللغات السائدة آنذاك؛ فقد حلّت محل الفارسية في العراق وبلاد فارس، والرومية بالشام والقبطية بمصر، واللاتينية في الشمال الأفريقي.

في كتابه تاريخ اللغات السامية، يقول المستشرق “رنان”: “إن انتشار اللغة العربية ليُعتبر من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، كما يُعتبر من أصعب الأمور التي استُعصى حلها؛ فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادىء ذي بد، فندت فجأة على غاية الكمال سلسة أية سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أدنى تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة… ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة، ولا أدري هل وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض قبل أن تدخل في أدوار مختلفة… فان العربية ولا جدال قد عمّت أجزاء كبرى من العالم”.